الأحد، 2 فبراير 2025

جلسة على هامش المقهى ..تأملات سيدها كوب قهوة .



 لماذا المقهى؟

سؤالٌ دائمًا ما يسألنا والدي اياه في كلِّ مرة يسألنا: "اين تريدون الذهاب ؟" تأتي الإجابة سريعًا(المقهى!)، فيتساءل مستغربًا: “لماذا المقهى ؟” وكثيرًا ما يقول غاضبًا إنه لا يوجد سبب يجعل من تلك الأماكن رغبتنا الدائمة وسيد قائمة الأماكن المقترحة دائمًا و ابدًا.

قرأت مرة على تطبيق X منشورًا لفتاة تقول فيه بحزن إن فعالياتنا باتت مقتصرة على المقاهي. تفكرت في كلامها، ربما كان فيه شيء من الصحة. لكني فكرت أيضًا: ما الذي يجعل من المقهى وجهة للمتململين؟ وجهة للإبداع؟ للعمل؟ للتفكر؟ وجهة للكثير من الوجهات؟

لم تكن المقاهي يومًا مكانًا ينحصر على القراءة أو تبادل الأحاديث او حتى العمل,فعلى مر الزمان كانت المقاهي الوجهة الأولى والأحب لعمالقة الأدب العربي,فمثلاً نجيب محفوظ، الأديب المصري الحائز على نوبل، كان من روّاد مقهى الفيشاوي في الحسين، حيث اعتاد الجلوس هناك يوميًا لمراقبة الناس واستلهام شخصياته الروائية. لاحقًا، أصبح يرتاد مقهى علي بابا على كورنيش النيل، حيث كان يعقد “الندوة الأسبوعية” مع تلاميذه وأصدقائه من الأدباء.

أيضًا  الشاعر الفلسطيني محمود درويش،كان يفضّل مقاهي بيروت، خاصة تلك الواقعة في شارع الحمرا، مثل مقهى المودكا ومقهى الهورس شو. كان يجلس هناك لساعات طويلة، يكتب ويقرأ، ويلتقي بأصدقائه الأدباء، حيث كانت بيروت في السبعينيات مركزًا ثقافيًا مهمًا.

ومن بيروت إلى لندن نذكر الروائي السوداني الطيب صالح، صاحب “موسم الهجرة إلى الشمال”، عاش لفترة طويلة في لندن، وكان يكتب غالبًا في مقاهيها الهادئة. كان يفضل المقاهي القريبة من منطقة “سوهو”، حيث يجد في العزلة نوعًا من الإلهام الذي يعيد تشكيل ذكرياته عن السودان والقرى النيلية التي ظهرت في أعماله.

الحقيقة أنني أرى في المقهى مكانًا شاعريًا، بل ربما أكثر الأماكن شاعرية. ذلك المكان الصغير الذي يحوي كل مظاهر الدفء. حيث يلتم أفراد العائلة رغم اختلاف أذواقهم، فتتأمل تناقضاتهم وأهدافهم المختلفة من تلك الجلسة. فهناك من يريد متعة التجربة، وآخر جاء فقط لخاطر كوب القهوة. هناك مجموعة أخذتهم الأحاديث، وآخر منشغل بتوثيق اللحظة قبل أن يعيشها,انتظرو! ضع الكوب مع باقي الأكواب,تشيك,هكذا,صورةٌ مثالية.

أو ربما تذهب إلى المقهى مع صديق تأنس وجوده، تجمعكم ألفة لطيفة واحاديث تعكس عقولاً متّقدة وحماسًا لا ينقطع أو مع ربما شريكُ قلبِك، تجمعكما رابطة الحب ونظرات متشابكة بأيدٍ مُتعانقة وحديث مشتركٍ يُضفي دفئًا مثل معطفٍ يعانق القلب.

أما التجربة الأمثل بالنسبة لي، فهي أن أذهب وحدي. أن أجلس على طاولة صغيرة في آخر المقهى أو وسطه، بالقرب من الزجاج الكبير المطلّ على الشارع. أراقب السيارات العابرة وأوراق الشجر المتناثرة، أتابع العامل في المتجر المجاور أو ذاك الذي يتحدث بإبتسامةِ مجاملاتٍ عبر الهاتف.

تشغل القهوة جميع حواسي؛ يعبق المكان برائحتها الطاغية، ويأسر العين بخارها المتصاعد، فيشكل مشهدًا دراميًا دافئًا. تتجلى مهارة صانع القهوة في رسم كريمة الحليب المبخر التي أودع فيها كل ملكاته الفنية. ألمس الكوب الساخن, اُدفئُ يدي المتجمدتين وأرتشف أول رشفة ببطء رشفة تدفئ القلب، تأخذني تنهيدة عميقة مع إغماض عينيّ، وكل ذلك على إيقاع موسيقى خلفية مصدرها ضجيج الناس وأحاديثهم المتداخلة، وصوت العامل الذي ينادي أحد الزبائن،صوت التبخير ومكينة القهوة وصوت  الدراجةِ النارية يأتي بعيدًا من الخارج.

أتأمل الناس 

عائلات، أصدقاء، طلاب، أفراد.. أراقبهم وأتأمل حياتهم أو أتخيلها. أصنع لكل واحد منهم قصة في مخيلتي،أصبح مُخرجةً ومُصورة وكاتبةً في آنٍ واحد بينما أقرأ كتابي الذي أصبح رفيق حقيبتي الدائم. تمتزج الحكايات التي أؤلفها مع ما أقرأ، فأنتبه لما أفعله وينتابني شعور بالانتشاء، شعور إدماني يدعوني إلى المزيد من التأمل.

وما إن أرتشف آخر قطرة من كوب القهوة، مستجديةً إياها أن تمنحني المزيد، حتى يخالجني شعور بالأسف لأنها انتهت، ولأنني لم أكن أبطأ في ارتشافها، أو لم أنهِ المزيد من صفحات كتابي، أو أنجز ما جئت لأجله من عمل أو دراسة.

وفي كل مرة أقرر أن أكون أبطأ، أعود لأفعل الشيء نفسه في كل مرة.